محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

329

بدائع السلك في طبائع الملك

الخطابي : واصفا أهل زمانه ، وهو فيمن بعدهم أحرى : وقد كانوا ، والناس ناس ، والزمان زمان ، يستبشعون الحق ويتمررون طعم النصح ، ويتنكرون لمن يهدي إليهم عيوبهم ، ويعوقهم عن أنفسهم ، فما ظنك بهم الآن مع فساد الزمان اللولبي المتقلب ، أتراهم يذعنون إلى الحق ويصيخون إلى النصح ، كلا ، انك إلى أن تفسد بهم ، أقرب منهم إلى أن يصلحوا بك ، فقد قيل : من قابل الكثير من الفساد باليسير من الصلاح ، فقد غرر نفسه « 611 » . تمثيل : قالوا : مثاله أن يميل جدار ، فيأتيه رجل ، فيدعمه بيده ليقيمه ؛ فإنه يوشك أن يسقط عليه ، فيكون فيه تلفه ، بل إذا وجد أعوانا وآلة فدعمه بأعمدة ، ورفده بقوائم من خشب ونحوها ، كان جديرا أن يستقل ، ويثبت . وكان الرجل حقيقا ، أن يسلم وينجى « 612 » . تكملة : من المنقول في هذا الباب حكايتان : الحكاية الأولى : متوقف على مستحسن الانصاف في قبول النصيحة ، والرجوع إليها وهي ما يروى ، أن سابور أتى على بلاد البحرين ، وفيها بنو تميم ، فأمعن في قتلهم ، وهربوا ، وشيخهم إذ ذاك عمرو بن تميم بن مر وله حينئذ ثلاثمائة سنة ، وكان يعلق في عمود البيت في قفة ، قد اتخذت له ، فأرادوا حمله فأبى عليهم الا أن يتركوه في ديارهم وقال : أنا هالك اليوم أو غدا ، وما ذا بقي لي من فسحة العمر ، لعل الله ينجيكم من هذا الملك المسلط على العرب ، فخلوا عنه ، وتركوه على ما كان عليه ، فصبحت خيل سابور الديار ، فنظروا إلى أهلها ، وقد ارتحلوا ونظروا إلى قفة معلقة في شجرة ، فسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها ، وهمهمة الرجال فأقبل يصيح بصوت ضعيف ، فأخذوه ، وجاءوا

--> ( 611 ) ورد في العزلة ص 36 . ( 612 ) عمرو بن تميم : هو عمرو بن تميم بن مر ، من العدنانية كان له من الولد : العنبر ، أسيد ، الهجيج ، مالك ، الحارث : السبائك ص 25 . جمهرة الانساب ص 197 . والتاج ج 9 ص 99 . والاعلام ج 5 ص 240 .